ابن كثير

210

البداية والنهاية

وغيرهم ، فجاؤوا إلى دمشق فحاصرها فملكوها سريعا ، ونهبت دار ابن يغمور وحبس في القلعة وتسلموا ما حولها كبعلبك وبصرى والصلت وصرخد ، وامتنعت عليهم الكرك والشوبك بالملك المغيث عمر بن العادل بن الكامل ، كان قد تغلب عليهما في هذه الفتنة حين قتل المعظم توران شاه ، فطلبه المصريون ليملكوه عليهم فخاف مما حل بابني عمه ، فلم يذهب إليهم ولما استقرت يد الحلبيين على دمشق وما حولها جلس الناصر في القلعة وطيب قلوب الناس ، ثم ركبوا إلى غزة ليتسلموا الديار المصرية ، فبرز إليهم الجيش المصري فاقتتلوا معهم أشد القتال ، فكسر المصريون أولا بحيث إنه خطب للناصر في ذلك بها ، ثم كانت الدائرة على الشاميين فانهزموا وأسروا من أعيانهم خلقا كثيرا ، وعدم من الجيش الصالح إسماعيل رحمه الله تعالى ، وقد أنشد هنا الشيخ أبو شامة لبعضهم : ضيع إسماعيل أموالنا * وخرب المغنى بلا معنى وراح من جلق هذا جزاء * من أفقر الناس وما استغنى شئ من ترجمة الصالح إسماعيل واقف تربة الصالح وقد كان الصالح رحمه الله ملكا عاقلا حازما تتقلب به الأحوال أطوارا كثيرة ، وقد كان الأشرف أوصى له بدمشق من بعده ، فملكها شهورا ثم انتزعها منه أخوه الكامل ، ثم ملكها من يد الصالح أيوب خديعة ومكرا ، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين ، ثم استعادها منه الصالح أيوب عام الخوارزمية سنة ثلاث وأربعين ، واستقرت بيده بلداه بعلبك وبصرى ، ثم أخذتا منه كما ذكرنا ، ولم يبق به بلد يأوي إليه ، فلجأ إلى المملكة الحلبية في جوار الناصر يوسف صاحبها ، فلما كان في هذه السنة ما ذكرنا عدم بالديار المصرية في المعركة فلا يدرى ما فعل به والله تعالى أعلم . وهو واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والأقراء بدمشق رحمه الله بكرمه . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : الملك المعظم توران شاه بن الصالح أيوب ابن الكامل بن العادل ، كان أولا صاحب حصن كيفا في حياة أبيه ، وكان أبوه يستدعيه في أيامه فلا يجيبه ، فلما توفي أبوه كما ذكرنا استدعاه الامراء فأجابهم وجاء إليهم فملكوه عليهم ، ثم قتلوه كما ذكرنا ، وذلك يوم الاثنين السابع والعشرين من المحرم ( 1 ) ، وقد قيل إنه كان متخلفا لا يصلح للملك ، وقد رئي أبوه في المنام بعد قتل ابنه وهو يقول :

--> ( 1 ) في بدائع الزهور : تاسع المحرم .